الثعلبي

47

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ بالحديبية على أن يناجزوا قريشا ، ولا يفروا . تَحْتَ الشَّجَرَةِ وكانت سمرة ، ويروى أنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة ، فقال : أين كانت ؟ فجعل بعضهم يقول : هاهنا ، وبعضهم هاهنا ، فلمّا كثر اختلافهم قال : سيروا ، هذا التكلف ، وقد ذهبت الشجرة ، أما ذهب بها سيل وأمّا شيء سوى ذلك . وكان سبب هذه البيعة أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، دعا خراش بن أمية الخزاعي ، فبعثه إلى قريش بمكّة ، وحمله على جمل له يقال له : الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، وذلك حين نزل الحديبية . فعقروا له جمل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش ، فخلّوا سبيله حتّى أتى رسول الله ، فدعا رسول الله ( عليه السلام ) عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ليبعثه إلى مكّة ، فقال : يا رسول الله إنّي أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكّة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها ، وغلظتي عليهم ، ولكنّي أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي ، عثمان بن عفّان ، فدعا رسول الله عثمان ، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب ، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت ، معظّما لحرمته ، فخرج عثمان إلى مكّة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة ، أو قبل أن يدخلها ، فنزل عن دابّته وحمله بين يديه ، ثمّ ردفه وأجازه حتّى بلّغ رسالة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به ، فقال : ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله . فاحتبسته قريش عندهم ، فبلغ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمسلمين أنّ عثمان قد قتل ، فقال رسول الله : « لا نبرح حتّى نناجز القوم » « 1 » . ودعا الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله على الموت ، وقال بكير بن الأشج : بايعوه على الموت ، فقال رسول الله ( عليه السلام ) : « بل على ما استطعتم » [ 30 ] « 2 » . وقال عبد الله بن معقل : كنت قائما على رأس رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك اليوم ، وبيدي غصن من السمرة ، أذبّ عنه ، وهو يبايع النّاس ، فلم يبايعهم على الموت ، وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا ، وقال جابر بن عبد الله : فبايع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم النّاس ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها إلّا الجد بن قيس أخو بني سلمة ، لكأنّي أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته مستتر بها من النّاس . وكان أوّل من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له : أبو سنان بن وهب . ثمّ أتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إنّ الّذي ذكر من أمر عثمان باطل ، واختلفوا في مبلغ عدد أهل بيعة الرضوان ، فروى شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول : كنّا يوم الشجرة ألف وثلاثمائة ، وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين .

--> ( 1 ) البداية والنهاية : 4 / 191 . ( 2 ) تفسير الطبري : 26 / 112 ؛ وعيون الأثر : 2 / 119 .